ساسي سالم الحاج

91

نقد الخطاب الاستشراقي

بالبيت عريانة ، وكانت تقصد من وراء ذلك طرحها لذنوبها ، وكانوا يقولون - طبقا لما أورده الأخباريون - « إنهم لا يطوفون في ثياب عصوا اللّه فيها » . والغريب أن النساء كانت تخضع لهذه القاعدة أيضا ، فكانت المرأة تطوف بالبيت عريانة وكانت تستر نفسها بوضع يديها على محل عفتها ، وذكر الأخباريون أبياتا نسبوها إلى إحدى النساء الجميلات كانت تطوف عارية وتقول : اليوم يبدو بعضه أو كلّه * وما بدا منه فلا أحله « 1 » ويرى « روبرتس سميث » أن الذي أوحى إلى الجاهليين وجوب طرح ملابس الحلّة إذا أحرم فيها ، اعتقادهم بتقديس تلك الملابس في أثناء الإحرام مما يجعلها في حكم « التابو » Tabu عند الأقوام البدائية ، ولذلك لا يجوز استعمالها مرة أخرى ، وهم أنفسهم قوم غير مقدسين « 2 » . أما من أطلق عليهم اسم « الحمس » فهم أولئك الذين يطوفون بثيابهم ، ثم يحتفظون بها فلا يلقونها . وكانت قبيلة قريش من الحمس ، وكل من يولد من قريش يكون من هذه الطائفة ، يضاف إليهم خزاعة ، والأوس ، والخزرج ، وجشم ، وبنو ربيعة بن عامر بن صعصعة ، وثقيف وغيرهم « 3 » . وهكذا نستنتج من العرض السابق أن قبيلة قريش كانت من أهل الحمس ، وأنها كانت تطوف بالبيت لابسة ثيابها ، وأنها كانت متشدّدة في ديانتها ، وأنها كانت تقف الموقف من طرف الحرم من « غرّة » ، وكانوا يقفون به عشية عرفة ، ويظلون به يوم عرفة في الأراك من نمرة ، ويفيضون منه إلى المزدلفة ، وتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها ، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم « 4 » . وإذا كان الأمر كذلك ، وكان الرسول من قريش ، وكان يطوف بالبيت قبل البعثة ، ويطبق مناسك قومه إلّا السجود للأصنام ، فإنه من الطبيعي أن يكون من طائفة

--> ( 1 ) أ - الطبري ، تفسير الطبري ، ج 8 ، ص 118 . ب - القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ج 7 ، ص 189 . ( 2 ) نقلا عن د . جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، المرجع السابق ، ج 6 ، ص 361 . ( 3 ) الزبيدي ، تاج العروس ، كلمة « حمس » ج 4 ، ص 132 . ( 4 ) أ - ابن هشام ، السيرة ، المرجع السابق ، ج 1 ، ص 199 .